بيئة الإيمان
23 أغسطس 2026
بيئة الإيمان
تمهيد:
يقترب كثير من الناس من الله أثناء فترة الدراسة (في فترة الجامعة ) ويطلق لحيته ويتمسك بالدين ظاهرًا وباطنًا ويجتهد في العمل الخيري، والدعوي، ويكثر من الصيام، والقيام، وقراءة القرآن، ثم عندما يتخرج من الجامعة أو ينهي دراسته ينشغل في الدنيا، أو يتزوج، فيقل إيمانه وينحدر فيترك صلاة الفجر ويتعود ذلك ثم يترك باقي الصلوات، ويرتكب المحرمات، بل والكبائر، حتى يبتعد عن الله تمامًا.
لذلك كان موضوع البحث، لأن المشكلة لم تكن في الزواج أو في الأولاد أو في العمل إنما كان في ترك بيئة الإيمان وأعمال الإيمان وصحبة الإيمان ومخالفة أمر الله في الحرص على الدين وقد أمر الله العباد أن يكون إيمانهم أهم شيء في حياتهم فأمر العباد أن يوحدوه ويؤمنوا به ويتوكلوا عليه "وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا الله"، وأمرهم بترتيب حياتهم على أمره، فأمرنا بترتيب دنيانا على الإيمان وسكننا على الإيمان وزواجنا على الإيمان، فنكون بيئات إيمانية خاصة تعيننا على أن نقترب من الله فإذا اردنا أن نغير سكنننا فلنسال أولًا هل سيكون بجانب مسجد، وإذا أردنا أن نغير عملنا فلنسال أولًا هل سيتعارض مع ديني أم لا؟ فترتب سكنك ودراستك وعملك على بيئة الإيمان.
إنّ هناك اختياراتٍ في حياة الإنسان مهمّة، لكنها قد تؤدّي إلى ضياع عمره وآخرته، وهي ما تُسمّى اختياراتٍ مصيرية، وهي ليست في الحقيقة بمثل هذه الصعوبة، لأنّ إصلاحها سهل، لكنّها فعلًا خطيرة، وهي اختياراتُ العمل، والزوجة، ومكان السكن، فلا بدّ للإنسان أن يُراعي فيها أهمّ شيءٍ في حياته، وهو إيمانه وعلاقته بربّه.
صحبتُك حيث الإيمان: قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلم-: "المرءُ على دينِ خليله، فلينظر أحدكم من يُخالِل"، رواه أبو داود والترمذي وإسناده صحيح. وعن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُصاحبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكلْ طعامَك إلا تقيّ" أبو داود.
قال الخطّابي: إنما حذّر من صحبة من ليس بتقي، وزجَر عن مخالطته ومؤاكلته، فإنّ المطاعمة تُوقع الألفة والمودّة في القلوب، يقول: لا تُؤالف من ليس من أهل التقوى والورع، ولا تتّخذه جليسًا تُطاعمه وتُنادمه.
بل أمر النبي -صلّى الله عليه وسلم- بالمكث وسط المؤمنين، وتبرّأ ممن يترك بيئة الإيمان.
وعن جريرٍ البجلي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أنا بريءٌ من كلّ مسلمٍ يُقيم بين المشركين، لا يتراءى نارُهم"، رواه الثلاثة، وإسناده صحيح.
قال المهلّب: (أنا برئ)؛ أي: من الفاعل وقت ذلك الفعل، ولم يُرد نفيه عن الإسلام.
وقد نهانا النبي -صلّى الله عليه وسلم- عن العيش مع المشركين لئلا نتشبّه بهم، وضبط ذلك "لا تتراءى نارُهم" أي: لا تجلسوا منهم حيث تروا النار التي يُوقِدون عليها طعامهم، فتحصل بينكم وبينهم من الألفة والحب والودّ ما لا تستطيعون أن تخرجوه من قلوبكم، فتوالَوْهم وتُحبّوهم وتنصروهم، فمخالطة الكافرين تجعل الإنسان يتأثّر بكفرهم، وإنما تكون المخالطة مع هؤلاء بقدرٍ لا يؤثّر في صاحبها، وكذلك صحبة الفاسدين، فالصاحب الفاسد يجعلك تُفسِد، والصاحب الغافل يجعلك تغفل. فتركُ صحبة الإيمان إلى صحبةٍ فاسدةٍ يؤدّي إلى الغفلة. قال عمر: (إيّاكم وأخلاق الأعاجم).
قال -تعالى-: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:28].
فأمر الله -عز وجل- المؤمنين بالهجرة إلى دار الإيمان، ونهى أن يسكن الرجل مع الكافرين، ذلك أن الإنسان يُؤثّر ويتأثّر، ولا يستطيع إنسان مهما كان قويًّا أن يعيش وحده أو يصمد وحده في الطريق إلى الله، سواء في بنائه أو في دعوته. وقد ضرب الله مثلًا على ذلك بشخصيتين قويتين؛ الأولى منهما سيدنا موسى -عليه السلام-، وهو نبيٌّ رسول، بل أحد أكبر خمسِ عزائم في البشر، ومع ذلك قال: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه:29-34]، فطلب موسى -عليه السلام- الأخَ الوزير المعين على الإيمان، مع أنه النبيّ المكلّم.
والثانية ذو القرنين الذي قال الله عنه: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف:95]، والذي طلب إعانة من الآخرين ليبني سورًا ويستطيع أن يؤدي وظيفته في الحماية.
وهذا نبيّ الله إبراهيم عَلِم أنه سيبني بيتًا لله، غير أنه احتاج إلى العون، فأسكن ابنه في مكان بعيد، عند مكان بيت الله عز وجل، حتى إذا كبر أعانه على بناء البيت، فقال: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:37]… فكان يعلم أنه سيبني لله بيتًا في مكة، ولم يكن يعلم مكان البيت، ثم بعد ذلك…
وأقوى من ذلك النبي -صلّى الله عليه وسلم- الذي كان يعرض نفسه على القبائل ويقول: "مَن يُعينني حتى أبلّغ رسالة ربي".
عن جابرٍ قال: مَكَثَ رسولُ الله -صلّى الله عليه وسلم- بمكة عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنًى، يقول: "من يُؤويني؟ من ينصرني حتى أبلّغ رسالة ربي، وله الجنة؟" أحمد، صحيح.
وهو قويّ الإيمان ويأتيه الوحي من السماء، ومع ذلك يحتاج إلى إعانة، فقدّر الله له أبا بكرٍ وخديجة رضي الله عنهما أولًا، ثم الأنصار ثانيًا.
ولكي يمتلئ القلب بالإيمان فإنه يحتاج إلى صحبةٍ صالحة تُعينه على الإيمان وأعماله، لذلك قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:2].
قال السعدي: أي: ليُعِنْ بعضكم بعضًا على البرّ، وهو اسمٌ جامع لكل ما يحبّه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة، من حقوق الله وحقوق الآدميين.
والتقوى في هذا الموضع اسم جامع لترك كل ما يكرهه الله ورسوله، من الأعمال الظاهرة والباطنة. وكل خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها، أو خصلة من خصال الشرّ المأمور بتركها، فإنّ العبد مأمور بفعلها بنفسه، وبمعاونة غيره من إخوانه المؤمنين عليها، بكل قولٍ يبعث عليها ويُنشّط لها، وبكل فعل كذلك.
ولا يكون الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان بالكلام فقط، إنما هناك أركان للإيمان، من عملها كان مؤمنًا حقًّا، ومن لم يعملها فهو ليس بمؤمن.
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:14-15].
التفسير القرآني للقرآن هو تصحيحٌ لما يفهمه الأعراب من الإيمان، ومن حقائقه التي ضمّ عليها، فهو ليس كلمة تُقال، وإنما هو عقيدةٌ، وعملٌ يقوم في ظلّ هذه العقيدة، فقول الأعراب «آمنا» بمجرد تلفّظهم بالشهادة "أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله" هو قول غير صحيح… إنّ هذا إسلام، لا إيمان… وهو التلفّظ بالشهادة، وإقرارهم بالإسلام، إنما يدخلون في المسلمين، وتُجرى عليهم أحكامهم، وتُعصم بهذا دماؤهم وأموالهم، كما في الحديث الشريف: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله".
فقوله تعالى: "قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا" هو ردّ على قول الأعراب: آمنا.
وقوله تعالى: "وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا" هو بيان للقول الحق في هذا المقام… فهم مسلمون غير مؤمنين.
وقوله تعالى: "وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ" هو بيانٌ لعلّة كونهم غير مؤمنين، بل مجرد مسلمين، لأنّ الإيمان لم يدخل قلوبهم بعد، وما زال مجرد كلمة تجري على ألسنتهم.
قال الشنقيطي في أضواء البيان: الله - جَلَّ وَعَلَا - أَمَرَ نَبِيَّهُ أن يَقُولَ لَهُمْ: لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الإِيمَانِ عَنْهُمْ وَثُبُوتِ الإِسْلَامِ لَهُمْ،
وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّ الإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الإِسْلَامِ، لأنَّ نَفْيَ الأَخَصِّ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأَعَمِّ.
ذلك أنَّ مُسَمَّى الإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ وَالإِسْلَامِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ هُوَ اسْتِسْلَامُ الْقَلْبِ بِالِاعْتِقَادِ، وَاللِّسَانِ بِالإِقْرَارِ، وَالْجَوَارِحِ بِالْعَمَلِ، فَمُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ، كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ وَجْهِ الْفَرْقِ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، لأنَّ الله نَفَى عَنْهُمُ الإِيمَانَ دُونَ الإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، أَظْهَرُهُمَا عِنْدِي أنَّ الإِيمَانَ الْمَنْفِيَّ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ مُسَمَّاهُ الشَّرْعِيُّ الصَّحِيحُ، وَالإِسْلَامُ الْمُثْبَتُ لَهُمْ فِيهَا هُوَ الإِسْلَامُ اللُّغَوِيُّ الَّذِي هُوَ الاسْتِسْلَامُ وَالانْقِيَادُ بِالْجَوَارِحِ دُونَ الْقَلْبِ.
وَإِنَّمَا سَاغَ إِطْلَاقُ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ هُنَا عَلَى الإِسْلَامِ، مَعَ أنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، لأنَّ الشَّرْعَ الْكَرِيمَ جَاءَ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ وَأَنْ تُوْكَلَ كُلُّ السَّرَائِرِ إِلَى الله.
فَانْقِيَادُ الْجَوَارِحِ فِي الظَّاهِرِ بِالْعَمَلِ، وَاللِّسَانِ بِالإِقْرَارِ، يُكْتَفَى بِهِ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ مُنْطَوِيًا عَلَى الْكُفْرِ.
وَلِهَذَا سَاغَ إِرَادَةُ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا، لأنَّ انْقِيَادَ اللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ فِي الظَّاهِرِ إِسْلَامٌ لُغَوِيٌّ مُكْتَفًى بِهِ شَرْعًا عَنِ التَّنْقِيبِ عَنِ الْقَلْبِ.
وَكُلُّ انْقِيَادٍ وَاسْتِسْلَامٍ وَإِنْقِيَادٍ يُسَمَّى إِسْلَامًا لُغَةً.
فَالْمُرَادُ بِالإِسْلَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الاسْتِسْلَامُ وَالانْقِيَادُ. وَإِذَا حُمِلَ الإِسْلَامُ فِي قَوْلِهِ: وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا، انْقَدْنَا وَاسْتَسْلَمْنَا بِالْأَلْسِنَةِ وَالْجَوَارِحِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْأَعْرَابُ الْمَذْكُورُونَ مُنَافِقُونَ، لأنَّهُمْ مُسْلِمُونَ فِي الظَّاهِرِ، وَهُمْ كُفَّارٌ فِي الْبَاطِنِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ: لَمْ تُؤْمِنُوا، نَفْيُ كَمَالِ الإِيمَانِ، لَا نَفْيُهُ مِنْ أَصْلِهِ.
وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ أَيْضًا، لأنَّهُمْ مُسْلِمُونَ مَعَ أنَّ إِيمَانَهُمْ غَيْرُ تَامٍّ، وَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: قَالَتِ الْأَعْرَابُ، الْمُرَادُ بِهِ بَعْضُ الْأَعْرَابِ، وَقَدِ اسْتَظْهَرْنَا أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ لِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ. انتهى.
فهناك فرق بين علم الحب وحال الحب، فكثيرًا ما يشتبه على العبد علم الشيء بحاله ووجوده، وفرق بين المريض العارف بالصحة وهو مثخن بالمرض، وبين الصحيح السليم، وكذلك فرق بين وصف الإيمان والعلم به وبين حاله ووجوده.
وللإيمان أعمال بالجوارح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (البخاري).
كما أنه هناك معالم واضحة تتشكل في قلب العبد لكي يكون مؤمنًا، قال صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل: «ما الإيمان؟» قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
فللإيمان أعمال قلبية، وأعمال بالجوارح، ويتفاوت الناس في الإيمان على قدر تمسكهم بهذه المعاني والعقائد والأعمال؛ فأكمل الناس إيمانًا من أتى بها على وجهها، وأقلهم إيمانًا من أتى بالحد الأدنى الذي لا يقدح في أصل الإيمان.
ولكي يزداد الإيمان في قلب الإنسان ويظهر واضحًا جليًا في أعماله، فإنه يحتاج إلى بيئة إيمان، وهي موضوع البحث، فلا بد للإيمان من بيئة ينشأ فيها ويترعرع فيها، وقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه لما قص عليهم حديث قاتل المائة: انْطَلِقْ إلى أرْضِ كَذا وكَذا، فإنَّ بها أُناسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فاعْبُدِ اللَّهَ معهُمْ، ولا تَرْجِعْ إلى أرْضِكَ، فإنَّها أرْضُ سَوْءٍ
قال العلماء: في هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب، والأخدان المساعدين له على ذلك، ومقاطعتهم ما داموا على حالهم، وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين، ومن يقتدي بهم وينتفع بصحبتهم.
فأرشده العالم إلى ثلاثة أشياء، وهي ما أقصده ببيئة الإيمان، ولولاها لهلك الرجل: انْطَلِقْ إلى أرض كذا (المكان)، فإن فيها أناسًا (صحبة صالحة) يعبدون الله (أعمال الإيمان).
الخليل النبي إبراهيم -عليه السلام-، وبيئة الإيمان:
أول شيء بدأ به الخليل إبراهيم عليه السلام، بعد الدعوة إلى الله، أن يبني المسجد ويطهره ويهيئه، فالبداية كانت إقامة بيئة للإيمان، ثم دعوة الناس إليها والانطلاق منها، قال تعالى:
{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}
[الحج: 26-28].
فبيئة الإيمان العالمية هي مكة، وقد أمرنا الله عز وجل أن نزورها، وضاعف الله عز وجل أجر الصلاة في هذه البيئة العالمية ترغيبًا للناس في زيارتها وشهودها، فالصلاة في الحرم المكي بمائة ألف صلاة فيما سواه، بل وافترض الله عز وجل على كل مسلم مستطيع أن يحج ولو مرة واحدة في العمر في هذه البيئة المباركة،
فيشهد المسلمون التضحيات التي بُذلت على أرضها، سواء لإقامة هذه البيئة التي يأتي إليها الناس من كل مكان ليزدادوا إيمانًا، أو لاستمرارها وإصلاحها على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بعد أن أفسدها أهل الشرك، ولكي تظل أرضًا يعبد فيها الله ويعظم اسمه وتعلو كلمته، ويظل فيها أقوام يعبدون الله، ففي هذا المكان ترك الخليل إبراهيم ابنه النبي الصادق إسماعيل في الصحراء، وفي هذا المكان وضع الخليل السكين على رقبة ابنه، وفداه الله بذبح عظيم، ثم سَعَوا في جلب الأحجار من الجبال لبناء هذا البيت العظيم ورفع قواعده مرة أخرى، ثم أمر الله إبراهيم بالأذان في الصحراء التي ليس فيها أحد، وفي هذا المكان عانى النبي محمد صلى الله عليه وسلم أشد المعاناة لإرجاع الكعبة بيئةً للإيمان مرة أخرى، وسيأتي معنا في البحث كيف أقام النبي صلى الله عليه وسلم بيئات إيمانية مختلفة، وكيف كان حرصه صلى الله عليه وسلم على ذلك.
وهذا وأن أهل الكفر يسعون دائمًا في إبعاد الناس عن دينهم، وصدهم عن مساجدهم وعن بيئاتهم الإيمانية، ويحاولون دائمًا إنشاء بيئات بديلة، فيُشيِّدوا بيئات فساد وإفساد (ملاهي وأماكن للاختلاط، وأماكن للفجور، والخمور)، لصد الناس عن البيئات الإيمانية، قال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36].
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25].
فإن من علامات الكفار الصد عن سبيل الله، ومنها الصد عن المسجد الحرام ،وبالمخالفة فإن من علامات أهل الإيمان أن ييسروا الطاعة والصلاة والإيمان على الناس، ويُشيِّدوا بيئات للإيمان يأوي إليها الناس ويثوبون فيها إلى ربهم، وهذه وظيفة الأنبياء وأتباعهم من أهل العلم والصلاح.
في النحل عبرة، أمرنا الله عز وجل أن نفهمها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن كالنحلة".
قال تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)} [النحل: 68-69].
فالنحل ألهمه الله أن يتخذ بيتًا يأوي إليه ويجتمع فيه، فهذه بيئته التي ينطلق منها وإليها، وهي تختلف على حسب بيئته (بيت في الجبل، أو بيت في الشجر، أو بيت في العريش)، أيًا كان نوع البيت وأيًا كانت همة النحل غير أنه ينبغي أن يكون لها بيت ، كذلك المؤمنون، لابد لهم من بيئة إيمان ينطلقون منها وإليها، وعلى حسب همم الناس في البذل والتضحية في سبيل الإيمان، فهناك من يسافر سفرًا طويلًا بحثًا عن دينه، وهناك من يكتفي بالبيئة القريبة من بيته، ثم تأكل النحل من كل الثمرات، تطوف على الأزهار، وتنقل الحبوب، وكذلك أهل الإيمان يستفيدون من كل من حولهم، ويذهبون إلى العلماء وأهل الحق يأخذون منهم ويستعينون بخبراتهم ويطلبون الحق عندهم، فيطوفون في همة عالية يبحثون عن مرضاة الله، ويأخذون من ثمار السابقين، فيسهّل الله لهم الطريق ويهديهم السبيل (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) ،فإذا ما سعوا في ذلك، كما يسعى النحل، استعملهم الله عز وجل، كما يستعمل النحل في إخراج العسل، فيخرج الله من ألسنتهم وأعمالهم ما ينير للناس طريقهم ويشفي قلوبهم، وكما أن العسل يتفاوت في درجته على حسب بيئته ألوانًا وأشكالًا وأطعمًا ولذة، فالعسل الجبلي يختلف عن عسل الشجر، فكذلك يختلف أهل الإيمان في ألوان خيراتهم وسبل نشرهم وإقامتهم للدين، غير أنهم في كلامهم وأفعالهم على تنوعهم ما فيه شفاء للناس.
بيئة الإيمان للجدد:
لما جاء وفد ثقيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم عام ٩ هجريًّا في عام الوفاء، وكان على رأسهم كنانة بن عبد ياليل، فقال المغيرة بن شعبة، وكان من ثقيف: يا رسول الله عز وجل، أنزل قومي عليَّ فأكرمهم، فقال صلى الله عليه وسلم: أنزلهم حيث يسمعوا القرآن، ثم أمره أن ينزلهم في المسجد (المكان)، وبني لهم خيامًا لكي يسمعوا القرآن (العمل الصالح)، ويروا الناس إذا صلوا (الصحبة الصالحة).
نشاطات بيئة الإيمان وأعمالها:
نموذج بيئة الإيمان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم:
كان صلى الله عليه وسلم حريصًا على وجود بيئة الإيمان وسط أصحابه لما لها من أثر في زيادة الإيمان، فكان يجتمع مع أصحابه يوميًّا في أعمال الإيمان في المسجد، ومن ذلك الصلوات الخمس، وجلسة الضحى، ومجلس الذكر الذي كان الصحابة يذهبون فيجدوا النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله: "كنا نعد للنبي صلى الله عليه وسلم مائة استغفار في المجلس الواحد"، فكانت لهذه اللقاءات مع الصحابة والتربية الاجتماعية في بيئة الإيمان أثر عظيم.
عن سماك قلت لجابر بن سَمُرة: كنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر جلس في مُصَلَّاه حتى تطلع الشمس، فيُحدّث أصحابه، ويذكرون حديث الجاهلية، وينشدون الشعر، ويضحكون ويبتسم.
ومن ذلك قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل، والذي كان يشهده الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس، حذيفة ، ابن مسعود.
فبيئة الإيمان كانت في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، والأعمال الإيمانية الثابتة فيه، وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إيجاد بيئة الإيمان التي يجتمع فيها الصحابة ليقوموا بأعمال الإيمان وزيادة إيمانهم، حتى أصبحت منها ما هو فرض مثل الصلوات، فأمر الله بأن يجتمع الناس خمس مرات في اليوم ليزداد إيمانهم، ولا أقصد الآن ما هو فرض، إنما أقصد البيئة التربوية الدعوية التي يربو فيها إيمان العبد وعلمه ويتزكّى.
وقد تطورت هذه البيئة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من:
١- دار الأرقم، والتي كان الصحابة يتربون فيها ويتعلمون فيها القرآن ويتدارسونه.
٢- الشعاب: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم، "فبينما سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه في شِعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم، فضرب يومئذ سعد بن أبي وقاص رجلًا من المشركين بلَحْيِ بعير فشجَّه".
وانظروا كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على عمل هذه البيئة الإيمانية بين الصحابة بعضهم البعض ليقوموا فيها بأعمال الإيمان.
٣- في المدينة: (المسجد النبوي) مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، والذي كان يذكر الصحابة بالله والجنة والنار، فيزاد فيها إيمانهم.
شرح كالحديث مبسط:
عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ، قَالَ: - وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم - قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَمَا ذَاكَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» ثلاث مرات.
البخاري.
فانظر كيف كان لبيئة الإيمان أثر في قلوب الصحابة حتى كأنه يرى الجنة والنار رأي العين.
٤- مساجد الصحابة في شتى بقاع الأرض: انتشرت الدعوة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق انتشار بيئات الإيمان في شتى بقاع الأرض: ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس.
لماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمكث في المدينة؟ ولماذا فضل الله عز وجل الصلاة في المدينة ومكة على غيرها؟ ذلك ليحضر الناس من كل مكان إلى هذه البقعة المباركة ليروا أصل ومنبع الدين والإيمان، ويتذكروا المجهود الذي بُذل لأجل إقامة الدين والرسالة، ويتفهموا التجربة الأصيلة والرئيسية، وكلما كان الإنسان مرتبطًا بالأصل وعلى فهم ووعي بما يحدث كان أحكم، وأفهم أن الأمر ليس في تراب المدينة، إنما في أنها المدينة التي حمل أهلها الرسالة ابتداءً في وقت لم يردها أحد، وبذلوا من أجلها، ودافعوا عن رسولها، وأن المدينة التي شهدت الأخلاق التي غيرت البشرية والتاريخ، بداية من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم إلى أخلاق المهاجرين وتضحياتهم، إلى أخلاق الأنصار، والتي شهدت المعارك والصراعات بين الحق والباطل، وكيف نصر الله عز وجل دينه بعد هذه التجربة المريرة، البذل العذبة الطعم والمعنى.
تعريف بيئة الإيمان:
هي صحبة الإيمان في مكان ثابت لتقوم بأعمال الإيمان بصورة منتظمة ثابتة، يرتبط فيها الأفراد، الأصحاب، والجيران، والأهل بأعمال إيمانية ولقاءات ثابتة، إذا ارتبط بها إنسان زاد إيمانه وارتفع وتغير سلوكه، وتزكى، واقترب من ربه، وهي لازمة لكل أحد، من تركها فأنه يعرض إيمانه للخطر.
مكان الإيمان (مسجد أو مكان عام يمارس فيه المؤمن مع إخوانه أنواع العبادات).
صحبة الإيمان (وهي الأهم): هم الإخوة المتعونون في أعمال الإيمان.
أعمال الإيمان: أعمال هذه الصحبة الإيمانية من أعمال البر والخير، من قراءة القرآن وتدارسه وذكر الله، ومدارسة أسماء الله وصفاته وسنة النبي صلّى الله عليه وسلم، ومن إفطارات جماعية ودروس، محاضرات وندوات، وتنظيم دعوي، وتكون العبادات فيها فردية، اجتماعية أو جماعية.
إذاً بيئة الإيمان لا بد أن توفر فيها:
١- مكان ٢- إخوة صالحة
٣- أعمال الإيمان والعبادات ٤- ثبات ومصابرة
أهميتها:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119)، وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِينَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (الأنعام: 68)
عن أبي موسى، عن النبي صلّى الله عليه وسلم، قال: "إِنَّمَا مَثَلُ الجليس الصالح، والجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير: فحامل المسك: إمّا أن يُحْذِيَكَ، وإمّا أن تبتاع منه، وإمّا أن تجد منه ريحًا طيبةً، ونافخ الكير: إمّا أن يُحرق ثيابك، وإمّا أن تجد ريحًا خبيثةً" (البخاري ومسلم).
(يُحْذِيَكَ) يُعطيك.
قال النووي: فيه فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير، والمروءة، ومكارم الأخلاق، والورع، والعلم، والأدب، والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع، ومن يغتاب الناس أو يكثر فجوره وبطالتِه، ونحو ذلك من الأنواع المذمومة.
قال ابن بطال: ونبه على الازدياد من العمل الصالح، ولذلك أمر عليه الصلاة والسلام بمجالسة العلماء، ولزوم حلق الذكر، وشبه الجليس الصالح بالعطار إن لم يصبك من متاعه لم تعدم طيب ريحه.
ألا ترى قول لقمان لابنه: "يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء"، وقال مرة أخرى: "فلعل أن تصيبهم رحمة فتنالك معهم"، فهذه ثمرة مجالسة أهل الفضل ولقائهم، وفيه بركة أعمال الخير، وأن بعضها يفتح بعضًا، ويعين على بعض.
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: "كما لا يجني من الشوك العنب، كذلك لا ينزل الفجار منازل الأبرار، وهما طريقان، فأيما أخذتم أدركتم إليه" (صحيح الجامع: 8704).
فطريق الإيمان يختلف عن طريق الفجور والمعاصي، ولكل منهما صحبته ومكانه وأعماله وبيئته.
كيفيه التعامل مع بيئة الإيمان:
حرصك على بيئة الإيمان من علامات الإيمان، وعلى قدر أهمية إيمانك يكون حرصك عليها وتمسكك بها.
إن وجدت في مدينتك بيئة الإيمان في أي صورة من صورها (كدروس العلم أو مجالس مدارسة القرآن، أو مقرأة القرآن، أو اجتماع الإخوة لأداء طاعة أو دعوة): فماذا أنت فاعل؟ هل تذهب إليها مسرعًا وتدخل مع الصالحين أم تستحي لأنك لم تدعَ أم تعرض عنها لأنها ليست على هواك في هذه الفترة؟ هناك من يأوي إليها، وهناك من يعرض عنها، وهناك من يستحي منها فيجلس على أطرافها.
عن أبي واقد الحارث بن عوف رضي الله عنه :أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَما هو جَالِسٌ في المَسْجِدِ والنَّاسُ معهُ إذْ أقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنَانِ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وذَهَبَ واحِدٌ، قالَ: فَوَقَفَا علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأمَّا أحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وأَمَّا الثَّالِثُ: فأدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ألَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أمَّا أحَدُهُمْ فأوَى إلى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ منه، وأَمَّا الآخَرُ فأعْرَضَ فأعْرَضَ اللَّهُ عنْه.
إذن، التخلف عن بيئة الإيمان والإعراض عنها من الإعراض عن الله، ولم لا وهي تزيد إيمان العبد وتقربه من ربه، والمسارعة فيها من الإيواء إلى الله واللجأ إليه.
وإن كانت بيئة الإيمان التي يزداد فيها إيمانك بعيدة، فكيف تتصرف؟ هل تسافر لأجلها أم تجلس مكانك وتستسلم؟
شرع الله عز وجل الهجرة إلى البيئة الإيمانية، العالمية، (مدينة الرسول صلي الله عليه وسلم)، لاستكمال الدين، وإقامته على الوجه الذي يحبه الله عز وجل، وعتب الله عز وجل على الذين لم يهاجروا مع قدرتهم على ذلك، وهذا كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته، فإنه ينبغي أيضًا أن نسعى للإقامة وسط أهل الإيمان، وإقامة مجتمعات يعظم فيها الله عز وجل.
قال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ؟ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتَهَاجَرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)
وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمَّا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) [النساء: 97-100]
قال الطبري:
ثم أخبر جل ثناؤه عمن خرج مهاجرًا من أرض الشرك فارًا بدينه إلى الله وإلى رسوله أن أدركته منيَّته قبل بلوغه أرض الإسلام ودار الهجرة، فقال: من كان كذلك فقد وقع أجره على الله، وذلك ثوابُ عمله وجزاء هجرته وفراق وطنه وعشيرته إلى دار الإسلام وأهل دينه (63).
يقول جل ثناؤه: "ومن يخرج مهاجرًا من داره إلى الله وإلى رسوله، فقد استوجب ثواب هجرته إن لم يبلغ دار هجرته قبل المنية إيّاه قبل بلوغه إياها (64) = على ربه" وكان الله غفورًا رحيما،
يقول: ولم يزل الله تعالى ذكره "غفورًا" يعني ساترًا ذنوب عباده المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها "رحيمًا"، بهم رفيقًا (65).
عن سعيد بن جبير في قوله: "ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله"، قال: كان رجل من خزاعة يقال له ضمرة بن العيص - أو العيص بن ضمرة بن زنباع - قال: فلما أمروا بالهجرة كان مريضًا، فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره ويحملوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ففعلوا، فأتاه الموت وهو بالتنعيم، فنزلت هذه الآية (6).
وهذا نبي الله موسى لما أخبر أن رجلاً أتاه الله رحمته وعلمه من لدنه علمًا، وكانت هذه بيئته الإيمانية التي أمر أن يذهب إليها ليتعلم فيها ويقترب من ربه، فإنه لم يسترح حتى وصل إليه.
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾[ الكهف: 60]
قال السعدي: {لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} أي: لا أزال مسافرًا، وإن طالت عليّ المشقة، ولحقتني المشقة، حتى أصل إلى مجمع البحرين، وهو المكان الذي أوحي إليه أنك ستجد فيه عبدًا من عباد الله العالمين، عنده من العلم ما ليس عندك، {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} أي: مسافة طويلة.
المعنى: أن الشوق والرغبة حملت موسى أن قال لفتاه هذه المقالة، وهذا عزم منه جازم، فلذلك أمضاه.
وانظر إلى الباحث عن الإيمان وزيادة الإيمان، الذي قال عنه النبي صلّى الله عليه وسلم: إنه لو كان إيمانه في السماء لصعد وأتى به: "لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ بِالثَّرَيَّا"، ومن قوله: "لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالثَّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ" (البخاري ومسلم). منهم سلمان الفارسي
وفي مسند أحمد: عن عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، قال: حدَّثَني سَلْمانُ الفارِسيُّ حَديثَه مِن فيه، قال: كُنتُ رَجُلًا فارسِيًّا مِن أهْلِ أصْبَهانَ مِن أهْلِ قَرْيةٍ منها يُقالُ لها جَيُّ، وكان أبي دِهْقانَ قَرْيَتِه، وكُنتُ أحَبَّ خَلقِ اللهِ إليه، فلم يَزَلْ به حُبُّه إيَّايَ حتى حَبَسَني في بَيتِه كما تُحبَسُ الجاريةُ، واجتَهَدْتُ في المَجوسيَّةِ حتى كُنتُ قَطِنَ النارِ الذي يُوقِدُها لا يَترُكُها تَخْبو ساعةً، قال: وكانَتْ لأبي ضَيْعةٌ عَظيمةٌ، قال: فشُغِلَ في بُنْيانٍ له يَومًا، فقال لي: يا بُنَيَّ، إنِّي قد شُغِلْتُ في بُنْيانٍ هذا اليومَ عن ضَيْعَتي، فاذْهَبْ فاطَّلِعْها، وأمَرَني فيها ببَعْضِ ما يُريدُ، فخَرَجْتُ أُريدُ ضَيْعَتَه.
سلمان وبداية الإيمان:
فمَرَرْتُ بكَنيسةٍ مِن كَنائِسِ النَّصارى، فسَمِعتُ أصْواتَهُم فيها وهُم يُصَلُّون، وكُنتُ لا أدْري ما أمْرُ الناسِ لِحَبْسِ أبي إيَّايَ في بَيتِه، فلمَّا مَرَرتُ بهِم، وسَمِعتُ أصْواتَهم، دَخَلتُ عليهم أنظُرُ ما يَصنَعون، قال: فلمَّا رَأيتُهُم أعْجَبَني صَلاتُهُم، ورَغِبتُ في أمْرِهِم، وقُلتُ: هذا -واللهِ- خَيرٌ مِن الدِّينِ الذي نَحنُ عليه، فواللهِ ما تَرَكْتُهم حتى غَرَبَتِ الشمسُ، وتَرَكْتُ ضَيْعةَ أبي ولم آتِها.
بحث سلمان -رضي الله عنه- عن بيئة الإيمان:
فقُلتُ لهُم: أين أصْلُ هذا الدِّينِ؟ قالوا: بالشَّامِ قال: ثُمَّ رَجَعتُ إلى أبي، وقد بَعَثَ في طَلَبي وشَغَلْتُه عن عَمَلِه كلِّه، قال: فلمَّا جِئْتُه، قال: أيْ بُنَيَّ، أين كُنتَ؟ ألم أكُنْ عَهِدتُ إليكَ ما عَهِدتُ؟ قال: قلتُ: يا أبَتِ، مَرَرتُ بناسٍ يُصَلُّون في كَنيسةٍ لهُم فأعْجَبَني ما رَأيتُ مِن دِينِهِم، فواللهِ ما زِلتُ عِندَهُم حتى غَرَبَتِ الشمسُ، قال: أيْ بُنَيَّ، ليس في ذلك الدِّينِ خَيرٌ، دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ خَيرٌ منه! قال: قلتُ: كلَّا واللهِ إنَّه لخَيرٌ مِن دِينِنا، قال: فخافَني، فجَعَلَ في رِجْلي قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَني في بَيتِه، قال: وبَعَثتُ إلى النَّصارى فقُلتُ لهم: إذا قَدِمَ عليكم رَكْبٌ مِن الشَّامِ تُجَّارٌ مِن النَّصارى فأخْبِروني بهم، قال: فقَدِمَ عليهم رَكْبٌ مِن الشَّامِ تُجَّارٌ مِن النَّصارى، قال: فأخْبَروني بهم، قال: فقُلتُ لهُم: إذا قَضَوْا حَوائِجَهُم وأرادوا الرَّجْعةَ إلى بِلادِهِم فآذَنوني بهِم، قال: فلمَّا أرادوا الرَّجْعةَ إلى بِلادِهم أخْبَروني بهم، فألْقَيتُ الحَديدَ مِن رِجْلي، ثُمَّ خَرَجتُ معهم حتى قَدِمتُ الشَّامَ، فلمَّا قَدِمتُها.
همة سلمان -رضي الله عنه- في البحث عن إيمانه:
قُلتُ: مَن أفْضَلُ أهْلِ هذا الدِّينِ؟ قالوا: الأُسْقُفُّ في الكَنيسةِ، قال: فجِئْتُه، فقُلتُ: إنِّي قد رَغِبتُ في هذا الدِّينِ، وأحْبَبتُ أنْ أكونَ معَكَ أخْدِمُكَ في كَنيسَتِكَ، وأتَعَلَّمُ منكَ وأُصَلِّي معَكَ، قال: فادْخُلْ فدَخَلتُ معَه، قال: فكان رَجُلَ سُوءٍ؛ يَأمُرُهم بالصَّدَقةِ ويُرَغِّبُهم فيها، فإذا جَمَعوا إليه منها أشْياءَ، اكْتَنَزَه لنَفْسِه، ولم يُعْطِه المَساكينَ، حتى جَمَعَ سَبعَ قِلالٍ مِن ذَهَبٍ ووَرِقٍ، قال: وأبغَضْتُه بُغْضًا شَديدًا لِما رَأيتُه يَصنَعُ، ثُمَّ ماتَ، فاجتَمَعَتْ إليه النَّصارى لِيَدْفِنوه، فقُلتُ لهم: إنَّ هذا كان رَجُلَ سُوءٍ؛ يَأمُرُكم بالصَّدَقةِ ويُرَغِّبُكُم فيها، فإذا جِئْتُموه بها اكْتَنَزَها لنَفْسِه، ولم يُعْطِ المَساكينَ منها شَيئًا، قالوا: وما عِلْمُكَ بذلك؟ قال: قلتُ أنا أدُلُّكُم على كَنْزِه، قالوا: فدُلَّنا عليه، قال: فأرَيتُهُم مَوضِعَه، قال: فاسْتَخْرَجوا منه سَبْعَ قِلالٍ مَمْلوءةً ذَهَبًا ووَرِقًا، قال: فلمَّا رَأوْها قالوا: واللهِ لا نَدْفِنُه أبَدًا فصَلَبوه، ثُمَّ رَجَموه بالحِجارةِ، ثُمَّ جاؤوا برَجُلٍ آخَرَ، فجَعَلوه بمَكانِه، قال: يَقولُ سَلْمانُ: فما رَأيتُ رَجُلًا لا يُصلِّي الخَمْسَ، أرى أنَّه أفْضَلُ منه، أزْهَدُ في الدُّنْيا، ولا أرْغَبُ في الآخِرةِ، ولا أدْأبُ ليلًا ونَهارًا منه، قال: فأحبَبْتُه حُبًّا لم أُحِبَّه مَن قَبْلَه، فأقَمْتُ معَه زَمانًا، ثُمَّ حَضَرَتْه الوَفاةُ، فقُلتُ له: يا فُلانُ، إنِّي كُنتُ معَكَ وأحْبَبْتُكَ حُبًّا لم أُحِبَّه مَن قَبْلَكَ، وقد حَضَرَكَ ما تَرى مِن أمْرِ اللهِ، فإلى مَن تُوصي بي، وما تَأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعْلَمُ أحَدًا اليومَ على ما كُنتُ عليه، لقد هَلَكَ الناسُ وبَدَّلوا وتَرَكوا أكثَرَ ما كانوا عليه، إلَّا رَجُلًا بالمَوْصِلِ، وهو فُلانٌ، فهو على ما كُنتُ عليه، فالْحَقْ به، قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ، لَحِقتُ بصاحِبِ المَوْصِلِ فقُلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا أوْصاني عِندَ مَوتِه أنْ ألْحَقَ بكَ، وأخْبَرَني أنَّكَ على أمْرِه، قال: فقال لي: أقِمْ عِندي فأقَمتُ عِندَه، فوَجَدْتُه خَيرَ رَجُلٍ على أمْرِ صاحِبِه، فلم يَلبَثْ أنْ ماتَ، فلمَّا حَضَرَتْه الوَفاةُ، قُلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا أوْصى بي إليكَ، وأمَرَني باللُّحوقِ بكَ، وقد حَضَرَكَ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ ما تَرى.
حرص سلمان على بيئة الإيمان (الصحبة والمكان والأعمال الصالحة):
فإلى مَن تُوصي بي، وما تَأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعْلَمُ رَجُلًا على مِثْلِ ما كُنَّا عليه إلَّا بِنَصِيبينَ، وهو فُلانٌ، فالْحَقْ به، قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ لَحِقتُ بصاحِبِ نَصِيبينَ، فجِئْتُه فأخبَرْتُه خَبَري، وما أمَرَني به صاحِبي، قال: فأقِمْ عِندي، فأقَمْتُ عِندَه، فوَجَدْتُه على أمْرِ صاحِبَيْه، فأقَمْتُ مع خَيرِ رَجُلٍ، فواللهِ ما لَبِثَ أنْ نَزَلَ به الموتُ، فلمَّا حَضَرَ، قُلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا كان أوْصى بي إلى فُلانٍ، ثُمَّ أوْصى بي فُلانٌ إليكَ، فإلى مَن تُوصي بي، وما تَأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما نَعلَمُ أحَدًا بَقِيَ على أمْرِنا آمُرُكَ أنْ تَأتيَه إلَّا رَجُلًا بِعَمُّوريَّةَ؛ فإنَّه على مِثْلِ ما نَحنُ عليه، فإنْ أحْبَبْتَ فأْتِه، قال: فإنَّه على أمْرِنا، قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ لَحِقتُ بصاحِبِ عَمُّوريَّةَ، وأخْبَرْتُه خَبَري، فقال: أقِمْ عِندي، فأقَمْتُ مع رَجُلٍ على هَدْيِ أصحابِه وأمْرِهِم، قال: واكتَسَبْتُ حتى كان لي بَقَراتٌ وغُنَيْمةٌ، قال: ثُمَّ نَزَلَ به أمْرُ اللهِ، فلمَّا حُضِرَ قُلتُ له: يا فُلانُ، إنِّي كُنتُ مع فُلانٍ، فأوْصى بي فُلانٌ إلى فُلانٍ، وأوْصى بي فُلانٌ إلى فُلانٍ، ثُمَّ أوْصى بي فُلانٌ إليكَ، فإلى مَن تُوصي بي، وما تأْمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعْلَمُه أصْبَحَ على ما كُنَّا عليه أحَدٌ مِن الناسِ آمُرُكَ أنْ تَأتيَه، ولكنَّه قد أظَلَّكَ زَمانُ نَبيٍّ هو مَبْعوثٌ بدِينِ إبْراهيمَ يَخرُجُ بأرْضِ العَرَبِ، مُهاجِرًا إلى أرضٍ بَينَ حرَّتَينِ بَينَهُما نَخْلٌ، به عَلاماتٌ لا تَخْفى: يَأكُلُ الهَديَّةَ ولا يَأكُلُ الصَّدَقةَ، بَينَ كَتِفَيْه خاتَمُ النُّبوَّةِ، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَلحَقَ بتلك البِلادِ فافْعَلْ، قال: ثُمَّ ماتَ وغُيِّبَ، فمَكَثْتُ بِعَمُّوريَّةَ ما شاءَ اللهُ أنْ أمكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بي نَفَرٌ مِن كَلْبٍ تُجَّارًا، فقُلتُ لهُم: تَحمِلوني إلى أرضِ العَرَبِ، وأُعْطيكُم بَقَراتي هذه وغُنَيْمَتي هذه؟ قالوا: نَعَمْ، فأعطَيْتُهُموها وحَمَلوني، حتى إذا قَدِموا بي واديَ القُرى ظَلَموني فباعوني مِن رَجُلٍ مِن يَهودَ عَبدًا، فكُنتُ عِندَه، ورَأيتُ النَّخلَ، ورَجَوْتُ أنْ تكونَ البَلَدَ الذي وَصَفَ لي صاحِبي، ولم يَحِقْ لي في نَفْسي، فبَينَما أنا عِندَه، قَدِمَ عليه ابنُ عَمٍّ له مِن المَدينةِ مِن بَني قُرَيْظةَ فابْتاعَني منه، فاحْتَمَلَني إلى المَدينةِ، فواللهِ ما هو إلَّا أنْ رَأيْتُها فعَرَفْتُها بصِفةِ صاحِبي، فأقَمْتُ بها وبَعَثَ اللهُ رسولَه، فأقامَ بمكَّةَ ما أقامَ لا أسْمَعُ له بذِكْرٍ مع ما أنا فيه مِن شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدينةِ، فواللهِ إنِّي لَفي رَأسِ عَذْقٍ لسَيِّدي أعْمَلُ فيه بَعضَ العَمَلِ، وسَيِّدي جالِسٌ، إذْ أقبَلَ ابنُ عَمٍّ له حتى وَقَفَ عليه، فقال: فُلانُ، قاتَلَ اللهُ بَني قَيْلةَ، واللهِ إنَّهم الآنَ لَمُجتَمِعون بقُباءٍ على رَجُلٍ قَدِمَ عليهم مِن مكَّةَ اليومَ، يَزْعُمون أنَّه نَبيٌّ، قال: فلمَّا سَمِعْتُها أخَذَتْني العُرَواءُ، حتى ظَنَنتُ سأسْقُطُ على سيِّدي، قال: ونَزَلَتْ عن النَّخلةِ، فجَعَلتُ أقولُ لابنِ عمِّهِ ذلك: ماذا تقولُ؟ ماذا تقولُ؟ قال: فغَضِبَ سيِّدي فلَكَمَني لَكْمةً شَديدةً، ثُمَّ قال: ما لكَ ولهذا، أقْبِلْ على عَمَلِكَ، قال: قُلتُ: لا شَيءَ، إنَّما أرَدْتُ أنْ أسْتَثْبِتْه عمَّا قال، وقد كان عِندي شَيءٌ قد جَمَعْتُه، فلمَّا أمْسَيتُ أخَذْتُه ثُمَّ ذَهَبتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وهو بقُباءٍ، فدَخَلتُ عليه، فقُلتُ له: إنَّه قد بَلَغَني أنَّكَ رَجُلٌ صالِحٌ، ومعَكَ أصحابٌ لكَ غُرَباءُ ذَوو حاجَةٍ، وهذا شَيءٌ كان عِندي للصَّدَقةِ، فرَأيْتُكُم أحَقَّ به مِن غَيرِكُم، قال: فقَرَّبتُه إليه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لِأصحابِه: كُلوا، وأمْسَكَ يَدَه فلم يَأكُلْ، قال: فقُلتُ في نفْسي: هذه واحِدةٌ، ثُمَّ انصَرَفتُ عنه فجَمَعتُ شَيئًا، وتَحَوَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ إلى المَدينةِ، ثُمَّ جِئْتُه به، فقُلتُ: إنِّي رَأيتُكَ لا تَأكُلُ الصَّدَقةَ، وهذه هَديَّةٌ أكرَمْتُكَ بها، قال: فأكَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ منها، وأمَرَ أصحابَه فأكَلوا معَه، قال: فقُلتُ في نَفْسي: هاتانِ اثْنَتانِ، قال: ثُمَّ جِئتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وهو ببَقيعِ الغَرْقَدِ، قال: وقد تَبِعَ جِنازةً مِن أصحابِه، عليه شَمْلَتانِ له، وهو جالِسٌ في أصحابِه، فسَلَّمتُ عليه، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أنظُرُ إلى ظَهْرِه، هل أرَى الخاتَمَ الذي وَصَفَ لي صاحِبي؟ فلمَّا رَآني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ استَدْبَرْتُه، عَرَفَ أنِّي أسْتَثْبِتُ في شَيءٍ وُصِفَ لي، قال: فألْقى رِداءَه عن ظَهْرِه، فنَظَرْتُ إلى الخاتَمِ فعَرَفْتُه، فانْكَبَبْتُ عليه أُقَبِّلُه وأبْكي، فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: تَحَوَّلْ، فتَحَوَّلتُ، فقَصَصْتُ عليه حَديثي كما حَدَّثتُكَ يا ابنَ عبَّاسٍ، قال: فأُعجِبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ أنْ يَسمَعَ ذلك أصحابُه، ثُمَّ شَغَلَ سَلْمانَ الرِّقُّ حتى فاتَه مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بَدْرٌ، وأُحُدٌ، قال: ثُمَّ قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: كاتِبْ يا سَلْمانُ، فكاتَبْتُ صاحِبي على ثَلاثِ مِئةِ نَخلةٍ، أُحْييها له بالفَقيرِ، وبأرْبَعينَ أُوقيَّةً، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لِأصحابِه: أعِينوا أخاكُم، فأعانوني بالنَّخلِ: الرَّجُلُ بثَلاثينَ وَدِيَّةً، والرَّجُلُ بعِشْرينَ، والرَّجُلُ بخَمْسَ عَشْرةَ، والرَّجُلُ بعَشْرٍ؛ يَعْني: الرَّجُلُ بقَدْرِ ما عِندَه، حتى اجتَمَعَتْ لي ثلاثُ مِئةِ وَدِيَّةٍ، فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: اذْهَبْ يا سَلْمانُ ففَقِّرْ لها، فإذا فَرَغْتُ فأْتِني أكونُ أنا أضَعُها بِيَدي، قال: ففَقَّرتُ لها، وأعانَني أصْحابي، حتى إذا فَرَغتُ منها جِئْتُه فأخبَرْتُه، فخَرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ معي إليها، فجَعَلْنا نُقَرِّبُ له الوَديَّ ويَضَعُه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بِيَدِه، فوالذي نَفْسُ سَلْمانَ بِيَدِه، ما ماتَتْ منها وَدِيَّةٌ واحِدةٌ، فأدَّيتُ النَّخلَ، وبَقِيَ علَيَّ المالُ، فأُتِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بمِثْلِ بَيْضةِ الدَّجاجةِ مِن ذَهَبٍ مِن بَعضِ المَغازي، فقال: ما فَعَلَ الفارِسيُّ المُكاتَبُ؟ قال: فدُعِيتُ له، فقال: خُذْ هذه فأدِّ بها ما عليكَ يا سَلْمانُ، فقُلتُ: وأين تَقَعُ هذه يا رسولَ اللهِ ممَّا علَيَّ؟ قال: خُذْها؛ فإنَّ اللهَ سيُؤَدِّي بها عنكَ، قال: فأخَذْتُها فوَزَنْتُ لهُم منها، والذي نَفْسُ سلَمْانَ بِيَدِه، أربَعينَ أُوقِيَّةً، فأوْفَيْتُهم حَقَّهُم، وعَتَقْتُ! فشَهِدتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ الخَندَقَ، ثُمَّ لم يَفُتْني معَه مَشهَدٌ.
إسناده حَسَن وعَنِّ سَلْمَانَ الفَارِسِي، «أَنَّهُ تَدَاوَلَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ، مِنْ رَبِّ إِلَى رَبِّ» البخاري.
وعن سَلْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَقُولُ: «أَنَا مِنْ رَامَ هُرْمُزَ» البخاري (رام هرمز) بلدة من بلاد فارس قريبة من العراق.
بيئة الإيمان والتجار العاملين على معاشهم:
هناك فرق بين من تتعامل معه في الحياة من زملاء عمل أو جيران، وبين بيئتك الإيمانية التي ينمو فيها إيمانك وتتعلم فيها عبادتك وأخلاقك وتقترب من ربك والتي هي من الأهمية بمكان أن تستقطع لها جزءًا من وقتك ثابتًا، وكلما ازداد الإيمان زاد الارتباط ببيئة الإيمان وزاد الوقت المستقطع لها.
قال تعالى:
"فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)"
سورة النور.
أي لا يشغلهم نوع من أنواع التجارة ولا بَيْعٌ ولا حتى فرد من أفراد البياعات، وإن كان في غاية الربح وربحه متيقن عن ذكر الله وتخصيص التجارة التي هي المعاوضة لأنها أقوى الصوارف وأشهرها.
قال أبو حيان (بيوت) (مكان الإيمان) الظاهر أنها مطلقة تصدق على المساجد والبيوت التي تقع فيها الصلاة والعلم والمراد بالإذن الأمر وبالرفع التعظيم ،أي أمر سبحانه بتعظيم قدرها، أخرج الطبراني وابن مردويه عنه أنه قال: أما والله لقد كانوا تجارًا فلم تكن تجارتهم ولا بيعهم يلهيهم عن ذكر الله تعالى، وبه قال الضحاك (عن ذكر الله) (أعمال الإيمان) بالتسبيح والتحميد ونحوهما و (إقام الصلاة) أي إقامتها لمواقيتها من غير تأخير.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير (إيتاء الزكاة) بإخلاص طاعة الله تعالى، وإيراد الزكاة هاهنا وإن لم يكن مما يُفعل في البيوت لكونه قرينة لا تفارق إقامة الصلاة في عامة المواضع مع ما فيه من التنبيه على أن محاسن أعمالهم غير منحصرة فيما يقع في المساجد وكذا قوله تعالى: يخافون إلى آخره فإنه صفة أخرى لرجال أو حال لهم، وأيا ما كان فليس خوفهم مقصورًا على كونهم في المساجد.
(فهم اكتسبوا صفة الخشية من الله من بيئاتهم الإيمانية (المساجد) وأصبحت مزية لهم في كل مكان خارج المساجد وداخلها)
(يومًا) المراد به يوم القيامة ومعنى تقلب القلوب والأبصار فيه اضطرابها وتغيرها فيه من الهول والفزع أو تغير أحوالها بأن تفقه القلوب ما لم تكن تفقه وتبصر الأبصار ما لم تكن تبصر أو بأن تتوقع القلوب النجاة تارة وتخاف الهلاك أخرى وتنظر الأبصار يمينًا تارة وشمالًا أخرى لما أن أغلب أهل الجمع لا يدرون من أي ناحية يُؤخذ بهم ولا من أي وجهة يُؤتون كتبهم.
أضواء البيان قال الشنقيطي: "ووصفه تعالى لهؤلاء الرجال (صحبة الإيمان) الذين يسبحون له بالغدوّ والآصال، بكونهم لا تُلْهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة على سبيل مدحهم، والثناء عليهم، يدل على أن تلك الصفات لا ينبغي التساهل فيها بحال: لأن ثناء الله على المتصف بها يدل على أن من أخلّ بها يستحق الذم الذي هو ضد الثناء، ويوضح ذلك أن الله نهى عن الإخلال بها نهيًا جازمًا في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وهذا يدل على أنه عندهم تجارة وبيع، فهم لم يتركوا العمل في الدنيا مطلقًا ومع ذلك مرتبطون ببيئة الإيمان (المساجد) رغم أعمالهم، وارتباطهم ببيئة الإيمان وأعمالها يجعلهم يتركون دنياهم في الوقت الذي أمر الله ويذهبون إلى بيئاتهم الإيمانية.
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾[ المنافقون: 9]
بيئة الإيمان والعاملون للدين (الذين لهم أعمال دينية تأخذ وقتهم):
عن أنس قال: قال النبي عليه السلام: (يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم) البخاري.
قال ابن بطال قوله (ألا تحتسبون آثاركم) إنما قال لهم ذلك؛ لأنهم كانوا على بُعد من مسجده عليه السلام، فأرادوا أن يتحولوا بقرب المسجد فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعرّى المدينة.
لما أرادت بنو سلمة أن يتركوا ثغورهم في حراسة المدينة، وينتقلوا ليعيشوا بجانب المسجد، وهو أمر هام أن تكون بجانب بيئة الإيمان أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأمرين:
الأول: ألا يتركوا ثغرهم في الحراسة،
والثاني: أن يحافظوا على الصلاة (عمل صالح) في مسجد (مكان) الرسول صلى الله عليه وسلم (الصحبة الصالحة)، فلا يتركوها ويحتسبوا آثار أقدامهم.
قال المهلب: فحضهم على البقاء واحتساب الآثار، واستشعارهم النية والإخلاص لله تعالى في مشيهم، ودخل في معنى ذلك كل ما يصنع الله تعالى من قليل أو كثير، أن يراد به وجهه تعالى، ويخلص له فيه، وهو الذي يزكوا ثوابه وأجره.
وقال ابن عباس: في الأنصار نزلت حين أرادوا أن ينتقلوا: ونكتب ما قدموا أعمالهم (وآثارهم) [يس: 12] فيما مشوا أبعدهم مكانًا.
مهما كنت تعمل، ومهما كنت مشغولًا، احرص على أن تكون في وسط بيئة الإيمان، فلا تترك عملك الشرعي تحت زعم البحث عن قلبي، ولا تترك بيئة الإيمان تحت زعم أنك مشغول في العمل.
ثواب بيئة الإيمان:
ثواب المكث في المسجد:
مغفرة الذنوب:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثُ فِيهِ" (البخاري).
الهداية:
قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾[ التوبة: 18]
ثواب الأعمال الصالحة في بيئة الإيمان:
هذه بعض الثمار التي حاولت جمعها في أعمال الإيمان عامة، وإلا فلكل عمل صالح تقوم به بيئة الإيمان ثواب خاص.
الجنة:
قال تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [ البقرة: 25]
قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾[ سورة الرعد: 29]
الأمن من الخوف والحزن:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[ البقرة: 277]
مغفرة الذنوب:
قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [المائدة : 9]
الهداية:
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخَرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس : 9]
الود من الخلق:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾[ مريم: 96]
الدخول في رحمة الله الخاصة:
قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾[ الجاثية: 30]
أخير الخلق عند الله:
قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾[ البينة: 7]
من الصالحين:
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾[ العنكبوت: 9]
جلسة الضحى :
مع أهل الإيمان أفضل من عتق أربعة من ولد إسماعيل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إليّ من عتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إليّ من عتق أربعة من ولد إسماعيل" (سنن أبي داود).
ثواب الصحبة الصالحة:
مغفرة الذنوب وإجابة الدعاء:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّارَةً، فُضُلًا يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فيه ذِكْرٌ قَعَدُوا معهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بأَجْنِحَتِهِمْ، حتَّى يَمْلَؤُوا ما بيْنَهُمْ وبيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إلى السَّمَاءِ، قالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهو أَعْلَمُ بهِمْ: مِن أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فيَقولونَ: جِئْنَا مِن عِندِ عِبَادٍ لكَ في الأرْضِ، يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ، قالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قالوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قالَ: وَهلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: لَا، أَيْ رَبِّ قالَ: فَكيفَ لو رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قالوا: مِن نَارِكَ يا رَبِّ، قالَ: وَهلْ رَأَوْا نَارِي؟ قالوا: لَا، قالَ: فَكيفَ لو رَأَوْا نَارِي؟ قالوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ، قالَ: فيَقولُ: قدْ غَفَرْتُ لهمْ فأعْطَيْتُهُمْ ما سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ ممَّا اسْتَجَارُوا، قالَ: فيَقولونَ: رَبِّ فيهم فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إنَّما مَرَّ فَجَلَسَ معهُمْ، قالَ: فيَقولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ هُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بهِمْ جَلِيسُهُمْ. [البخاري]
بدلت السيئات حسنات:
حَدِيثُ سُهَيْلِ بْنِ حَنْظَلَةَ الْعَبْشَمِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ قَطُّ يَذْكُرُونَ اللهَ، إِلَّا نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ، قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَات" [مصنف بن أبي شيبة وصححه الألباني في الصحيحة].
وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» [صححه الألباني].
النجاة من الفتن في بيئة الإيمان:
حصن من الشيطان والامتثال لكلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّتْبُ الْقَاصِيَةَ».
الاعتصام بالله وتنفيذ أوامره قال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾
[ الكهف: 28]
ثمرات بيئة الإيمان:
امتثال أوامر الله بلزوم الصحبة الصالحة والأعمال الصالحة، وهي حصن من الانتكاس والشياطين.
زيادة الإيمان والتقرب إلى الله بشتى الطاعات، فتكون من الصالحين والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في "الصالحين".
البناء التربوي والتعود على أعمال الدين وأخلاقه ومعاملاته.
هي جزء من انتشار الدعوة، فالدعوة تحتاج إلى بيئات تربوية تستقبل الناس الجدد ليتعلموا ويتربوا ويتلقوا مفاهيم الدين.
التواصل بين كل المسلمين في كل حي مما يعين على أداء حقوق الجار والأخوة.
الاجتماع مع الصالحين، وفي ذلك فوائد كثيرة، منها: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "المؤمن مرآة أخيه يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه" أي مصلحة أو خير يصيب أخ المؤمن فإنه بالضرورة ينعكس عليه كما تنعكس صورة الإنسان في المرآة، وبالمقابل فإن أي ضرر يصيب الأخ ينعكس مباشرة على الإنسان نفسه كما تنعكس الصورة في المرآة.
إذا أنا وأخي شيء واحد، إذا ربح ربحت وإذا خسر خسرت.
واجتماع المؤمنين في بيئة الإيمان شيء عظيم، ذلك لأنهم يتناصحون فيرى كل إنسان عيوبه فيصلحها، ويرى النقاط الجميلة فيه فيستغلها كأنه يقف في المرآة".
من صور بيئة الإيمان:
بيتك بيئة إيمان ،زوجتك حيث الإيمان:
أمر الله عز وجل أن يختار الإنسان الزوجة المؤمنة لما في ذلك من تأثير عليه، وكلما ازداد العبد قربًا من الله كلما كان أكثر حفاظًا على إيمانه، واختار زوجة تعينه على أن يقترب من الله أكثر، قال الله عز وجل:
﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾[ البقرة: 221]
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم): (تُنْكَحُ المرأة لأرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)
ومعنى تَرِبَتْ يَدَاكَ عند أهل اللغة يُراد بها الإخبار عن حلول الفقر.
قال ابن السكيت: يقال: تربت يداه، إذا افتقر.
وقال أبو عمرو: أصابهما التراب، ولم يدع عليه بالفقر.
وقال الأصمعي في تفسير الحديث: لم يرد النبي (صلى الله عليه وسلم) الدعاء عليه بالفقر، وإنما أراد به الاستحثاث كما يقول الرجل: انخ ثكلتك أمك، إذا استعجلته، وأنت لا تريد أن تتكله أمه.
وقال ابن قتيبة: وهذا من باب الدعاء الذي لا يُراد به الوقوع.
من الحديث يتبين لنا كيف أن الذي لا يختار الزوجة الصالحة التي تعينه على أمر دينه فإنه يخسر، فينبغي لمن أراد أن يتزوج أن يبحث عن المرأة الصالحة التي أمر الله بها.
﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ ﴾[ النساء: 34]
عن طريق أوراد ثابتة في البيت يزداد فيها إيمان أهل البيت ويتناقشون،كان صلى الله عليه وسلم يمر على زوجاته يوميا.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَلَّ مَا كَانَ يَوْمٌ»، أَوْ قَالَتْ: «قَلَّ يَوْمَ إِلَّا كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ فِي مَجْلِسِهِ فَيُقَبِّلُ وَيَمَسُّ مِنْ غَيْرِ مَسِّ وَلَا مُبَاشَرَةٍ»، قَالَتْ: «ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا» [ص:433]
الدارقطني قَوْلُهُ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ أَيَّ فَيُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ مِنْ غَيْرِ جَمَاعٍ.
وعَنْ ابِنْ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ وَجَلَسَ النَّاسُ حَوْلَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِهِ امْرَأَةً امْرَأَةً يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ وَيَدْعُو لَهُنَّ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ إِحْدَاهُنَّ كَانَ عِندَهَا.
الحديث أخرجه بن مردويه.
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ»
البخاري (بَابُ دُخُولِ الرَّجُلِ عَلَى نِسَائِهِ فِي اليَوْمِ).
قال ابن حجر: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الَّذِي كَانَ يَقَعُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ سَلَامًا وَدُعَاءً مَحْضًا، وَالَّذِي فِي آخِرِهِ مَعَهُ جُلُوسٌ وَاسْتَبْنَاسٌ وَمُحَادَثَةٌ.
فتح الباري.
فنستطيع أن نجتمع في يوم من أيام الأسبوع لنتدارس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أو نقرأ كتاب فقه السنة.
عملك بيئة إيمان:
كيف يكون فيه عمل إيماني منتظم وذلك عن طريق عمل جلسات إيمانية لزملاء العمل، مثل الاتفاق على درس أسبوعي في المدينة تشجعوا فيه بعضكم، أو إفطار يوم الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، والصلاة في يوم الإجازة مع بعضكم البعض، وعمل مقرأة قرآن وتحفيظ.
مسجد الحي بيئة إيمان:
السكن حيث الإيمان، فهذا إبراهيم عليه السلام يسكن زوجته وابنه الرضيع عند بيت الله الحرام (مكان الإيمان)، رغم أنه كان مكان موحش، صحراء جرداء ولم يُعمر بعد، لكنه امتثال أوامر الله، لأن الدين يأتي بالخير كل الخير، فاختار أن يسكنوا في هذا المكان، وهو بيئة الإيمان العالمية على مر العصور وقال تعالى: {رَبِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}
وكان أول شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة أن بنى مسجداً، فبنى مسجد قباء ثم مسجده صلى الله عليه وسلم، فبنى بيئة الإيمان النبوية ليعلم الجاهل ويقوم المعوج ويرشد الحيران، ثم جعل بيته وسكنه ملاصقاً له (المسجد)، وكانت حجرات زوجاته ملاصقة للمسجد، بل وكانت بيوت الصحابة لها أبواب تفتح في المسجد حتى آخر عمره صلى الله عليه وسلم، فأمر بإغلاق الأبواب المفتوحة في المسجد إلا باب الصديق.
خطوات عملية لإنشاء بيئة إيمان في مسجد الحي (لإنشاء دعوة في منطقة أوقرية):
لا بد من المصابرة والمجاهدة لأن إنشاء الدعوات ليس كالاستمرار فيها، فالأمر يحتاج إلى جد وتعب، والمشكلة الرئيسية تكون في الاستمرار، فعلى قدر إيمان الداعي بما يقول واستمراره فيه، على قدر إيمان الناس به، وقد صبر النبي صلى الله عليه وسلم على بيئة الإيمان طوال عمره.
تجميع الإخوة في المنطقة أو الحي أو القرية وعرض الفكرة عليهم وقبول أي تعديلات أو إضافات، واستعمال أصحاب المواهب أو المؤهلات في الدعوة، فمن كان معه إجازة فليقرأ الناس، ومن كان يحب الدعوة فليلقي كلمة في المسجد، ومن كان يحب العلم فليقرا على الناس من تفسير كلام الله، ومن كان صاحب علاقات فليدعو الأصدقاء ويتعرف عليهم، ومن كان يحب التربية فليقوم بعمل تحفيظ للأطفال أو الكبار، ومن كان غنيًا فلينفق في عمل إفطارات أو شراء هدايا أو عمل مسابقات، ولا مانع أن يعمل الأخ في أكثر من ثغر على أن تكون الشورى هي آلية القرار بينهم، ويكون لهم شيخ يرجعون إليه في المشكلات والنوازل، ولا يمنع الناس التعصب أن يدخلوا معهم من ينتمي إلى جماعة عاملة على أن يلتزم بالشورى والمرجعية عند الفصل، وإن كان الأخ وحده فليستعن بالله وليبدأ بالقراءة على الناس من تفسير الكتاب العظيم مرة يوميًا، ويحاول أن يجتذب الناس إلى أعمال الإيمان حتى ييسر الله له معينًا من مدعويه يحمل هم الرسالة.
الأخ الدعوي يقوم بعمل بيئة إيمان في المسجد، فيصبح في كل مسجد مقرأة قرآن الفجر أو درس بعد الظهر أو العصر يوميًا يتدارس مع الناس آية أو حديث حتى لو (يقرأ من كتاب ) ودرس أسبوعي من المغرب إلى العشاء.
يمر على الأصحاب والجيران والأصدقاء ويحدثهم عن أهمية الإيمان وبيئة الإيمان في حياتهم وثمراتها وعقاب تاركها الديني والدنيوي ويحببهم فيها.
يقوم بعمل إعلان عن هذا النشاط في لوحة المسجد.
يصبر ويثابر على قلة الحاضرين ويجتهد في الأخلاق الجميلة والتبسم مع الناس ،يقوم الأخ المربي بعمل برنامج للمقبلين "أما من جاءك يسعى وهو يخشى" ، مجالس قرآن (مدارسة وتعلم)، التوحيد والشرك، الإيمان والكفر، الأركان (الصلاة والزكاة والصيام)، التربية على بيئة الإيمان، التفكر، قيام الليل، بر الوالدين، صلة الرحم، ثم يتدرج معه في قضايا الدين من الكليات إلى الفروع.
آثار ترك بيئة الإيمان على إيمان العبد:
إيجاد بيئة الإيمان واجب شرعي على كل مسلم حسب طاقته، يجتهد على قدره، ويؤثم تاركها بالكلية لأنه يعرض دينه للخطر، فهذا عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص، لما تركا بيئة الإيمان ارتدا حتى عاد إليها مرة أخرى، وعياش بن أبي ربيعة هو أخو أبي جَهْل لأمه أسلم قديمًا قبل دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة، هو وعمر بن الخطاب، فرده أخوه أبو جهل وأوثقه وكان من المُستضعفين، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو له في القنوت: «اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْن أبي ربيعة»، ثم افتتن في مكة ومكث بها خمس سنين حتى نزل قول الله عز وجل: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ﴾ فهاجر مرة أخرى، وحسن إسلامه، وقتل يوم اليرموك بالشام، وقيل: مات بمكة.
وذكر المفسرون في سبب نزول قوله - تعالى -: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ﴾
روايات منها: قال ابن إسحاق : ثم خرج عمر بن الخطاب ، وعياش بن أبي ربيعة المخزومي ، حتى قدما المدينة. فحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر ، عن عبد الله بن عمر ، عن أبيه عمر بن الخطاب ، قال : اتعدت (واعدت) ، لما أردنا الهجرة إلى المدينة ، أنا وعياش بن أبي ربيعة ، وهشام بن العاصي بن وائل السهمي التناضب (هو اسم موضع فهو جمع تنضب وهو شجر) من أضاة بني غفار على عشرة أميال من مكة ، فوق سرف ( موضع على ستة أميال من مكة) ، وقلنا : أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه .
قال : فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب ، وحبس عنا هشام ، وفتن فافتتن ، فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء ، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة ، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما ، حتى قدما علينا المدينة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فكلماه وقالا : إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك ، ولا تستظل من شمس حتى تراك ، فرق لها ، فقلت له : يا عياش ، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم ، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت ، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت . قال : فقال : أبر قسم أمي ، ولي هنالك مال فآخذه . قال : فقلت : والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالا ، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما . قال : فأبى علي إلا أن يخرج معهما ؛ فلما أبى إلا ذلك ، قال : قلت له : أما إذ قد فعلت ما فعلت ، فخذ ناقتي هذه ، فإنها ناقة نجيبة ذلول ، فالزم ظهرها ، فإن رابك من القوم ريب ، فانج عليها . فخرج عليها معهما ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، قال له أبو جهل : يا ابن أخي ، والله لقد استغلظت بعيري هذا ، أفلا تعقبني على ناقتك هذه ؟ قال : بلى . قال : فأناخ ، وأناخا ليتحول عليها ، فلما استووا بالأرض عدوا عليه ، فأوثقاه وربطاه ، ثم دخلا به مكة ، وفتناه فافتتن .
قال ابن إسحاق: فحدثني به بعض آل عياش بن أبي ربيعة : أنهما حين دخلا به مكة دخلا به نهارا موثقا ، ثم قالا : يا أهل مكة ، هكذا فافعلوا بسفهائكم ، كما فعلنا بسفيهنا هذا .
قال ابن إسحاق : وحدثني نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن عمر في حديثه ، قال : فكنا نقول : ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة ، قوم عرفوا الله ، ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم قال : وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم .
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، أنزل الله تعالى فيهم ، وفي قولنا وقولهم لأنفسهم : ﴿ ۞قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (54) وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ (55) ﴾ قال عمر بن الخطاب : فكتبتها بيدي في صحيفة ، وبعثت بها إلى هشام بن العاصي قال : فقال هشام بن العاصي : فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى ، أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها ، حتى قلت : اللهم فهمنيها . قال : فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا ، وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا . قال : فرجعت إلى بعيري ، فجلست عليه ، فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة.
فتأمل كيف ارتدّ عَيَّاش عن الإسلام لما ترك بيئة الإيمان، وكيف كان السبيل إلى النجاة أن يعود إليها مرة أخرى ،بل ويهاجر إلى بيئة الإيمان.
عن مُعَاوِيَةَ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلم قال: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.
قال أبو جعفر الطحاوي: هذه الهجرة هجرة المعاصي. معالم السنن وموطأ مالك.
قال الخَطَّابِيّ: كانت الهجرة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم في أوّل الإسلام مطلوبة، ثم افترضت، ما هاجر إلى المدينة إلى حضرته ليكونوا معه فيتعاونوا ويتظاهروا إن حزبهم أمر، وليتعلموا منه أمر دينهم ويتفقهوا فيه وقد أكد الله ذلك في عدّة آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، فقال تعالى: وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ
فبيئة الإيمان لقلب المؤمن هي الهواء والأكسجين للجسد، يهاجر لها بنفسه وقلبه.
قال ابن القيم في الرسالة التبوكية (بتصرف يسير):
الهجرة إلى الله ورسوله فرض عين على كل أحد في كل وقت، ولا انفكاك لأحد عن وجوبها، وهي مطلوب الله ومراده من العباد، والهجرة هجرتان:
الهجرة الأولى: هجرة بالجسم من بلد الكفر إلى بلد الإيمان، ومن مكان المعصية إلى مكان الطاعة (بيئة الإيمان).
والهجرة الثانية: الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها، وهي هجرة تتضمن من الدنيا إلى بيئة الإيمان، فيهاجر بقلبه من محبة الدنيا إلى محبة الله، ومن عبودية الدنيا إلى عبودية الله، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له إلى دعائه وسؤاله والخضوع له والذل له والاستكانة له، وهذا بعينه معنى الفرار إليه ،قال تعالى: فَفِرّوا إلى الله.
ولكي يحقق العبد التوحيد المطلوب، والفرار من الله إليه يحتاج إلى صحبة وأعمال صالحة، ولهذا يقرن الله سبحانه بين الإيمان والهجرة إلى هذه الصحبة الصالحة والأعمال الصالحة في غير موضع لتلازمهما واقتضاء أحدهما للآخر.
والمقصود أن الهجرة إلى الله تتضمن هجران ما يكرهه وإتيان ما يحبه ويرضاه، وأصلها الحب والبغض،
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) ﴾.